نسـاء...هنّ المـثل الأعـلى 11-12
وحينما يبلغ ابنها أنس مبلغ الفتيان تأتي به إلى النبيّ (ص)، لتضعه في خدمته ولينهل من تعاليمـه فيرحِّب به النبيّ (ص)، ويقرّ عينها بما طلبت، ممّا نستفيد منه في أن نختار لأبنائنا دائماً المكان المناسب للتربية أو للعمل.
ولمّا تقدّم (أبو طلحة) وكان ثريّاً مشركاً لخطبتها رفضته رغم ما قدّم لها من مهر غال، قالت: لا ينبغي أن أتزوّج مشركاً، فهل لك أن تشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله (ص) وأزوِّجك نفسي ولا أريد منك صداقاً غيره.
يقول ابنها أنس: ما سمعت بامرأة قطّ كانت أكرم مهراً من أمّ سليم كان مهرها الإسلام!
عاشت مع أبي طلحة حياة زوجيّة هانئة، فكانت مثال الزوجة الصالحة التي ترعى حقوق الزوجية خير رعاية، ومثال الاُم الصالحة والمربّية الفاضـلة، ولقد رزقها الله من (أبي طلحة) طفلاً أسـمياه (أبو عمير) وقد مرض ومات في مرضه وتلقّت (اُمّ سليم) موته بالصّبر والسلوان وبنفس راضية بقضاء الله وقدره. فقامت وغسّلت الطفل وكفّنته وغطّت عليه ثوباً في فراشـه، وهي تردد: ( إنّا لله وإنّا إليه راجعون) وطلبت ممّن حولها أن لا يخبروا أبا طلحة.
عاد الزوج من عملـه، وكانت قد جففت دموعها وتصنّعت لاستقباله بابتسامتها المعتادة، وجاءته بعشاء، فسألها ليطمئن على صحّة ولده: ما فعل أبو عمير؟ فقالت: هو أسكن ما يكون! فظنّ الزوج أ نّه شُـفي. وكانت اُمّ سـليم قد تطيّبت وارتدت أجمل ثيابها، وتزيّنت واقتربت منه، فأصاب منها ما يصيب الرجل من أهله، فنام سـعيداً راضياً شاكراً لنعمة الله على شفاء ولده وعلى حبّ زوجته ورعايتها له.
في آخر اللّيل، وقد عاود الأب السـؤال عن ولده، تقول له (اُمّ سليم): يا أبا طلحة! أرأيت لو أنّ قوماً أعاروا عاريتهم (الأمانة) أهل بيت فطلبوا عاريتهم، فهل لهم أن يمنعوها عنهم؟ قال : لا. قالت: فما تقول إذا شقّ عليهم أن تطلب هذه العارية منهم بعد أن انتفعوا بها؟ قال: ما أنصـفوا، قالت: فإنّ ابنك عارية من الله تعالى فقبضه فاحتسب ابنك!
ولمّا أصبح الصباح غدا إلى رسول الله (ص) وأخبره بما كان بينه وبين زوجه فقال (ص) : بارك الله لكما في ليلتـكما، فكان في تلك اللّيلة حملها بولدهما عبدالله، فلمّا شبّ تزوّج وأنجب ذرِّيّة صالحة، والزواج بالصالحات يورث الأبناء الخصال الحميدة.
وفي سبب نزول قوله تعالى: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأولئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ)، انّ اُمّ سليم وزوجها أبا طلحة ضيّفا شخصاً طلب الرسول (ص) منهما ضيافته ولم يكن معهما إلاّ قوت صبيانهما، فقدّما للضيف كل ما معهم وباتوا هم والأطفال بلا طعام يريدون بذلك وجه الله.
هذه السيرة العطرة من زواج يقوم على مهر هو الإسلام، وجهاد في أكثر من معركـة، وتربية صالحة لمولود يوضع في خدمة النبيّ (ص)، وموقف يطفح بالإيمان في مرض ووفاة طفلها وعدم اظهار ذلك لزوجها، وتسـليم تام لقضـاء الله، تنمّ عن أنّ المرأة إذا تعمّـق الإيمان في قلبها فإنّها تكون مثلاً ونموذجاً للأخريات من النِّساء، فهي لا تقتدي فقط، وإنّما تصبح هي نفسها قدوة.
